24.Jun الماضي

لستُ مرتبطة بالماضي ، لكنه أفضل من الحاضر

عدتُ لذكرى اليوم ، و كم هو طريق العودة جميلٌ جدًا

حين تكون الذكرى من ينبوع الطفولة و البراءة

حين تكون من صندوق غُلف بعناية خشية أن يخدشه وجع الحاضر و يقظة الألم ، لكنه منسي ، في الركن البعيد ..

اليوم نفضتُ عن صندوقي الغبار ، فتحته ، فانبثق شعاعٌ يحمل ذكرياتٍ رقيقة ، أيقظت قلبي من سباتٍ مميت

كنتُ طفلة وحيدة ، انام، استيقظ، آكل،ألعب ، وحيدة

لكن الغريب لم تزعجني وحدتي بل بالعكس كان لدي أصدقاء وهميين ، لحظتها كان طموحي أن أصبح طبيية !

مضحك فعلا ، أتى الحاضر يا طفولتي و أصبحت شيئا لن تفهميه مطلقًا لو شُرح لك لحظتها ، بذلك العقل الذي كنتِ تحملينه في جمجمتك الصغيرة ، جُل ما أفكر فيه هو أن لا يفوتني كرتوني المفضل و شراء المجلة “ماجد”

” كنتُ فاشلة في قراءة و الكتابة” لكن لم أفكر حتى في معنى الفشل و استمريت في شراءها

لو حدث هذا الآن و ربما حدث و شعرت بالفشل لتوقفت في الحال و بكيت حتى يصبح البكاء عادة

أظن عيبي الإدراك المفرط في ماهية الفشل و الإحباط ، و هل هناك حل يريحني من مشاعري و أفكاري متصلبة أمام عقلي !

لنعود للماضي ، لا أذكر أنني مكثت في المنزل نهارا كاملا ، كنتُ استيقظ مسرعة نحو ملعبٍ قريب من منزلي ، يقع في أسفل الحي ، أركضُ بخفةٍ لا شيء يعرقل طريقي و من ثم اقفز من فوق الحاجز إلى أرض الملعب ، أرض خضراء خالية من كل البشر ما عداي ، أنظر إلى سماء و لا أفهم ، أنظر إلى الشجر المحيط بالملعب و لا أفهم ، أنظر إلى أبواب الملعب و لا أفهم ، سيارات ، مارة ، الشمس ، غيوم ، نظرات مرعبة ، أصوات القطط في القمامة ، نداءات ، صراخ ، ضحكٌ بعيد ، لا افسر شيء ولا أحاول

كنتُ أنا و أصدقائي خياليين فقط ، كان قلبي و عقلي في مرحلة استعداد لنزع الغطاء عن الحقيقة و تلقي صدمات أو ” النضج” لكنها مرحلة استمرت فترة طويلة حتى فهمت وجود الأشياء و ماهيتها و أسبابها و الكثير من مشاكل و القرف و لازلت أفهم و أعاني

مؤسف أن أكثر أمور اشراقًا ؛تفقد بريقها بسبب كثرة التفكير

لكن السؤال أين اصدقائي الخياليين ؟

حتى الحديث مع نفسي أصبح شيء من الماضي ، ربما هناك وقت كافي لأعيد قصة حياتي مرتين و ثلاث و عشرة لكن الرغبة في الحديث انتهت ، لا أجد الحماسة التي كنتُ امتلك شلالات منها في طفولتي

اشتقت لكوني طفلة لا أعي من أكون لكن دون وعي بخطر هذا الأمر

اشتقت لكوني طفلة تنام في الملعب دون أن تخاف من توبيخ و الضرب

اشتقت لتأخر عن منزلي و لعب من أولاد الحي و الضحك دون كلام مسموم عن فظاعة فعلتي كوني فتاة و هذا مخزي جدا

اشتقت لشارع فهو أمن أكثر من منزلي بكثير

اشتقت لحياتي ، حين كانت والدتي تصفعني لاستحم و ارتدي ثيابي الداخلية و إكمال طعامي و تمشيط شعري ؛ كون هذه الأمور من اقرف الأشياء التي أفعلها إكراهًا

احمل ندبة من الماضي ، كلما نظرت إلى يدي تذكرت ذلك الموقف و ضحكت من تصرفاتي الغير مفهومة فيه ، حين ارسلتني والدتي لاحضر بعض القهوة من جارتنا ، أخذتها و هربت مع ابنة جارتنا و ركض خلفي أخاها فدفعني و غاص الزجاج محطم في يدي ، لا أفهم لماذا هربت معها و إلى أين كنتُ اتجه ، إنها ذكرى ملعونة و حين يعالجك طبيب مصري و يستظرفُ معك و أنت غارق بالدموع و الدماء ، لو كان في الحاضر لقلبت منضدة العلاج عليه و هربت فعلا من حياتي

آه عودو لما هو جميل و اتركو الحزن و الحب و الطموح و كل ما يرهق الروح و يستنزف منها رحيق السعادة و وهج الحياة ، كونو في أماكن تشعرون فيها بالسلام و الراحة ، لا يهم النجاح طالما الروح قلقة و مريضة بالخوف ، و أين سعادة النجاح إذا كانت هكذا ؟

شارة كرتوني مفضل ” ايروكا”

كانت رشا رزق مغنيتي المفضلة ، و أظن أكثر أبناء جيلي يحفظون لها شيء ، لازال صوتها ملائكي يحتفظ برونق البراءة


اجمعُ شظايا روحي

متناثرةٌ في كل الأرجَاءْ

كأني غيمة أثقلها الحمل

فألقت بكل الأعَباءْ

أعودُ للماضي

ابحثُ فيه عن نورٍ و ضياءْ

و ما أجدُ غير بؤسٍ و شقاءْ

ليلٌ ينتهي بدموع

و صباحٌ أفنيهِ برضوخ و خضوع

أين الفرج ؟

في ذكرى استحضرُها من ماضي اشكُ بأنني عشتهُ

أم بفرارٍ يستوجب عليّ فعلهُ

اشتاق ، و ما الشوقُ إلا بإنصهارُ القلب في الجسد

اتوق ، تواقةٌ روحي لكل شعورٍ بعيد عن النكد

يومًا ما سأتخذُ طريقي نحو الأفق

نحو أراضٍ خاليةً من القلق

نحو حضن

نحو قبلة

نحوك ربما و تكون حلمُ الماضي و حقيقةَ الحاضر .


أضف تعليق

تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ